المبحث الأول: تحديد المفاهيم

المطلب الأول: مفهوم التربية الإسلامية وتعريفها

لا شك أن هناك فرقاً بين المفهوم والتعريف؛ فالمفهوم كما جاء في المعجم الوجيز ” مجموع الصفات والخصائص الموضحة لمعنى كلِّي ” 1. أما التعريف فيُقصد به كما أشار إلى ذلك المعجم الوجيز أيضا “تحديد الشيء بذكر خواصه المُميزة”2. ومعنى هذا أن المفهوم يكون شاملاً، وواسعاً، ومعتمداً على ما يتم استيعابه عن طريق العقل. أما التعريف فهو توصيفٌ لشيءٍ مُحدد ودقيق ومتفق عليه إلى حدٍ ما. وعلى الرغم من كثرة الكتابات حول مفهوم التربية وتعريفها عند المهتمين في الميدان التربوي؛ إلا أن هناك تداخلاً فيما بين المصطلحين عند كثيرٍ من الكُتاب والباحثين، فهناك من يتحدث عن المفهوم ثم لا يلبث أن ينتقل مباشرةً إلى التعريف في تداخل لا يمكن معه الفصل بينهما، والعكس صحيح. وفيما يلي محاولةٌ لبيان وتوضيح المقصود من مصطلح مفهوم “التربية الإسلامية” كعمليةٍ شاملةٍ ونظامٍ متكاملٍ، ثم تحديدٍ دقيقٍ لتعريفها كمصطلحٍ علميٍ مستقل.

أولاً / مفهوم التربية الإسلامية:

هناك اختلافٌ بين المهتمين بالقضايا التربوية حول مفهوم التربية حيث تتعدد الآراء ووجهات النظر في هذا الشأن؛ نظراً لتعدد الأطراف المُشاركة في العملية التربوية، واختلاف الزوايا التي يُنظر من خلالها لهذه العملية؛ إضافةً إلى اختلاف الاتجاهات، والآراء، والثقافات، والفلسفات، واختلاف ظروف الزمان، والمكان، والجوانب التي يتم معالجتها، ونحو ذلك من العوامل الأخرى.

ومع أن هذا الاختلاف في تحديد مفهوم التربية يُعد أمراً مقبولاً – نسبيًّا- عند أصحاب الفلسفات والنظريات والأفكار التربوية البشرية؛ إلا أنه ينبغي ألاَّ يكون كذلك في ميدان التربية الإسلامية. وهوما ألمح إليه أحد الباحثين بقوله: ” إذا نظرنا إلى الدراسات التربوية المعاصرة وجدنا مفهوم التربية الإسلامية لم يكن موضع الاتفاق بين الدارسين بعد. ويمكن إجمال أغلب المفاهيم في النقاط التالية:

  1. أنه منهج مقررات المواد الإسلامية في المدارس.
  2. أنه تاريخ التعليم، أو تاريخ المؤسسات التعليمية، أو تاريخ أعلام الفكر التربوي والتعليمي في العالم الإسلامي.
  3. أنه تعليم العلوم الإسلامية.
  4. أنه نظام تربوي مستقل؛ ومنبثق من التوجيهات والتعاليم الإسلامية الأصيلة، ويختلف عن النظم التربوية الأخرى شرقيةً كانت أو غربية “3.

ومن المؤكد أن معظم هذه المفاهيم قد حصرت “التربية الإسلامية” في نطاقٍ ضيقٍ لا يتفق مع ما ينبغي أن يكون عليه هذا المفهوم من شموليةٍ واتساع لكل ما يهم الإنسان في حياته وبعد مماته؛ فهو مفهومٌ ينظر إلى الإنسان نظرةً شموليةً لكل جوانب شخصيته وأبعادها المختلفة. وهو مفهومٌ يُعنى بجميع مراحل النمو عند الإنسان، وهو مفهومٌ يوازن بين مطالب الفرد وحاجات المجتمع، ويهتم بجميع الأفراد والفئات، ويوائم بين الماضي والحاضر. إضافةً إلى أنه يُشير إلى نظامٍ تربوي مُستقلٍ ومتكاملٍ، يمتاز بأصوله الثابتة، ومناهجه الأصيلة، وأهدافه الواضحة، وغاياته السامية، ومؤسساته المختلفة، وأساليبه المتنوعة…إلخ. التي تُميزه عن غيره، وتوسع دائرته ليُصبح منهجاً كاملاً وشاملاً لجميع مجالات الحياة.

والخلاصة أن مفهوم التربية الإسلامية يتضح في كونها أحد فروع علم التربية الذي يتميز في مصادره الشرعية (المتمثلة في القرآن الكريم، والسُّنة النبوية المطهرة، وتُراث السلف الصالح)؛ وغاياته (الدينية الدنيوية)، ويقوم على نظامٍ تربوي مُستقل ومُتكامل، ويعتمد اعتماداً كبيراً على فقه الواقع، ولابد له من متخصصين يجمعون بين علوم الشريعة وعلوم التربية؛ حتى تتم معالجة القضايا التربوية المختلفة من خلاله معالجةً إسلاميةً صحيحةً ومناسبةً لظروف الزمان والمكان.

ثانياً / تعريف التربية الإسلامية:

انطلاقاً من الاختلاف – الذي سبقت الإشارة إليه – بين المهتمين في المجال التربوي حول مفهوم التربية فإن هناك اختلافاً مشابهاً في تحديد تعريف “التربية الإسلامية” كمصطلحٍ علمي حيث إن معظم من كتب في هذا الميدان لم يحرصوا على إيراد تعريفٍ محددٍ لهذا المصطلح بقدر اهتمامهم وحرصهم على معالجة الموضوعات والقضايا التربوية المختلفة. ولذلك فإن تعريفات الباحثين المعاصرين الذين اهتموا بالكتابة والبحث في ميدان التربية الإسلامية جاءت مختلفةً رغم اتفاقهم في الإطار العام لها؛ إلا أنهم لم يصلوا إلى صيغةٍ واحدةٍ يتفقون عليها جميعاً لتعريفٍ محددٍ وواضحٍ لهذا المصطلح، ولعل ذلك راجعٌ إلى اختلاف مشاربهم، وتباين تخصصاتهم، وتعدد وجهات نظرهم التفصيلية. وهوما يُمكن أن نلحظه في عرضنا التالي لبعض التعريفات التي اجتهد فيها أصحابها، فقد عرَّفها مقداد يالجن بأنها: “إعداد المسلم إعداداً كاملاً من جميع النواحي في جميع مراحل نموه للحياة الدنيا والآخرة في ضوء المبادئ والقيم وطرق التربية التي جاء بها الإسلام”4.

وعرَّفها زغلول راغب النجار بأنها: “النظام التربوي القائم على الإسلام بمعناه الشامل”5.

أما عبد الرحمن النقيب فيرى أن المقصود بالتربية الإسلامية: ” ذلك النظام التربوي والتعليمي الذي يستهدف إيجاد إنسان القرآن والسُنة أخلاقاً وسلوكاً مهما كانت حرفته أو مهنته”6.

في حين يرى عبد الرحمن النحلاوي أن “التربية الإسلامية هي التنظيم النفسي والاجتماعي الذي يؤدي إلى اعتناق الإسلام وتطبيقه كُلياً في حياة الفرد والجماعة “7 .

وهنا يمكن القول بأن التعريفات السابقة تؤكد جميعاً على أن التربية الإسلامية نظامٌ تربويٌ شاملٌ يهتم بإعداد الإنسان المسلم إعداداً متكاملاً دينياً ودُنيوياً في ضوء مصادر الشريعة الإسلامية الرئيسة.


الهوامش

1- المعجم الوجيز: المركز العربي للثقافة والعلوم، بيروت، 1400هـ، ص 483 .
2-  المرجع السابق، ص 415.
3-  مقداد يالجن، جوانب التربية الإسلامية الأساسية، (د.ن)،   (1406هـ)، ص: 23.
4-  مقداد يالجن، أهداف التربية الإسلامية وغاياتها، ط 2، (1409هـ)، الرياض: دار الهدى للنشر والتوزيع، ص: 20
5-  زغلول راغب النجا، أزمة التعليم المعاصر وحلولها الإسلامية، ط (2)، (1416هـ)، الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ص:85.
6- عبد الرحمن النقيب، التربية الإسلامية المعاصرة في مواجهة النظام العالمي الجديد، القاهرة: دار الفكر العربي(1417هـ)، ص:17.
7 عبد الرحمن النحلاوي، أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ط (2)،    دمشق: دار الفكر(1403هـ)، ص:21 .

Show Buttons
Share On Facebook
Share On Twitter
Share On Google Plus
Share On Linkedin
Contact us
Hide Buttons